U3F1ZWV6ZTI5NTQzNDI5MTM3NTcyX0ZyZWUxODYzODU0OTc0NTY4NA==

قصة قصيرة ( جنة النسيان ) بقلم الأستاذة حنان بدران

قصة قصيرة ( جنة النسيان ) بقلم الأستاذة حنان بدران

قصة قصيرة ( جنة النسيان ) بقلم الأستاذة حنان بدران

في مثل هذا اليوم قررت أن أغيظك، أحدق في المقاصل التي تشتهي الأعناق وترحل إليها، أرى الكل ينتحب وحيداً في آخر الليل وعلى أصابع البيانو نعزف بدموع من طين على كل الأوطان مرة واحدة، وحيدة بينكم أنزف على ركبة السطر حتى صارت كل القطارات تسافر داخل أوردتي، وهي تصفر في دهاليز شراييني، وتفرقت فيها شظايا جسدي في محطات الضياع.
أنا أحببتك وحاولت أن أكون معك حبا لا يعرف الأنانية، ولا ذل شهوة الجسد، وبقيت تسبح في شراييني، فبيني وبينك خبز وحبر على مدى العمر، في ذاكرة أبت أن تكون هرمة، حملت فيها إسمك وشما بقلبي، والليل يمعن في أن يكون أحلك من قرن الخروب في فضاء اللانهايات، كلما مررت بشوارع ذاكرتي امتلأ فمي بطعم الملح والدخان، والسكر واللوز وعذوبة الابتسامة البريئة حتى قاع ذاكرتي.
أقف على حافة العالم أتمعّن كتاب جسدك وأنا أبحث في ثناياك لأكتب عنك فلا أجد ما أسطره سوى الدهشة بسريالية عبثية وإشارات التعجب !!!
أمشي في مدار دورتك الدموية متسللة إليك فيخجل الليل ويغمض عينيه، تركض أصابع الغيوم لتطفئ القمر حتى لا يرانا الوشاة .
أدخل في جسدك لأجدك قارة مدهشة مرسومة بعقيق الأساطير وموسومة بختم أزرق، الداخل مفقود والخارج مفقود وليلك الشهي جنون الحب المولود.
لا أنكر كم هو شهي حبك ومرعب في آن واحد .
نعم في ليل إعصارك ارتديت كل معاطف حبك وظللت تحتها أرتجف برداً في ليلك حتى نبت في أوصالي الصقيع .
في أكذوبة رأس السنة قلبي تهادى معك ببهجة بجعة خجولة حين وثقت فيك وكنت تسألني: ماشعورك الليلة ونحن سنقضي رأس السنة سويا ؟
ثقل في قلبي السؤال حتى بات كجثة مهرة .
أقف معك امرأة فاشلة على أبواب القرن الواحد والعشرين امرأة راسبة في مدرسة "التدجين والببغاوات".
رومانسيتي من القرن الثامن عشر، وعقلي يقف بجنونه على ستاد العالم في القرن الواحد والعشرين أقف بمواجهة أكذوبة السنة الجديدة بذعر.
كديون كيشوت أواجه طواحين الهواء المفرغة من الهواء، أواجه الشاطر حسن وأمنا الغولة التي رافقت جدتي في رحلتها إلى الحقل ، أشهق لاحتضار الأوكسجين، فتجحظ شاشة الغيم الأزرق، وتشهد لانتصار الشاشة عليها.
محاصرة بالشبكة العنكبوتية التي لم أشارك بصنعها، التي ابتعتها كما ابتعت سيارتي قلمي دفتري أوراقي والطائرة التي أحلق بها إليك، والكمبيوتر الذي وظفته لإحياء عد النفس الذي يتنفسه الناس بإتقان.
هل أنا معك الآن؟
الكل حولي يرقصون فوق قبور أجدادي، صوت الموسيقى يعلو ويعلو ...وأنا بينكم أنزف بحنجرتي المقطوعة وأنشد بفحيح الصوت أمجادكم يا عرب، ما زلنا "خير من ركب المطايا وخط الخطايا... فاغرة فاها ترمقني، وأرواح تقذفني بالحجارة وتلعنني على ما اقترفناه بحقهم، وأنا أركض والهث ولا أقف عن ترديد أمجاد أمجاد ...
صامدة بينكم بزخارفي الحضارية وبأقنعتي الهزلية المستوردة من مقبرة سهرة رأس السنة، انفخ معكم في المزامير، أرطن بالإنجليزية هابي "نيو يير"
صوت الموسيقى الغربية في المرقص المتخفي بإسم عربي، وألف وأدور معكم ثملة برقص الشباب وهم يترنحون سكارى، أضحك ثملة بالخراب الجميل، وأنا أدقق في وجوهكم روحي تناضل لأبقى تلك العربية العنيدة النقية، ولكن يقيني أن الأرواح مهما فعلت لن تشيد مجدا قد اندثر، ولن تصلح تاريخ الخراب.
معاندة في تلك الروح التي وقفت مترنحة لادعوكم أن توقفوا الموسيقى ودعونا "ندبك ياشباب دبكة ... "...تعالوا لندبك دبكة ونرشي ضمائرنا بكذبة كبيرة إسمها سنة جديدة ندندنها منذ عصور ...ونحن نمشي للخلف كل عام قرنا إلى الوراء ...!!!
التفوا حولي وهم يسألونني كم أنت بارعة باختلاق النكد، وأنت تتقنينه أكثر مما تتقنين مكياجك !!!
يطالبوني أن أغلق فمي لأدور معهم وأن أفتح ذراعي كأي أنثى وأتصرف كما تتصرف النساء الوديعات ؟
وحتى أنهي الموقف الذي وضعوني فيه سألتهم: لماذا لا ننهض ونرقص نحن وباقي المدعوين نغني بهتاف هابي "نيو يير" بكل لغات المظاهرات في العالم ؟!
وفي لحظة يتجهم الأفق ويهطل في خاصرتي وخاطري كل مطر الغيوم وراياته تنزف وتنوح على أعالي الأشجار، ويتساقط دمع قلبي آسفة له.
أمسك يده هامسة: لا أريد أن أكون مبنجة بحبك ومستسلمة لخدري الأزلي وأنت تسكنني قبل أن أسكنك، لا أريد أن أتجرع صحوي المرّ فيك، آه تنبس من فم الصمت وهي تجرجر أذيال حبك تصرخ وهي تزحف على هشيم الزجاج المكسر وأراني انزلق في مستنقع الرمال المتحركة صوب العصور الجاهلية !
متسائلة لكل من حولي هل كان جسدك لي رشوة ؟
أو تمثالا إغريقيا من المرمر أم نسيم بحر العرب، أيها الخرافي كأسطورة حتى تملكتني الدهشة، يدك تنجرح والنزف كان بيدي وكنت أقطر بدم أحمر كبقية البشر، وصار حبي غوايات النسيان، وطيفي يهرول تحت أحذية الغطرسة الإسرائيلية وجزم أمريكا التي تسحقنا بجزمة العم سام وأنا أتململ لاهرب وانجو بقلبي لأبقى على حبي لأحلم بك، أحدثك عن أحلام بلا كوابيس وأرشوك بجائزة كجائزة الشيخوخة فيتحول حلمي فيك إلى كابوس.
أيها الشقي متى تكف عن محاكمتي لست رابعة العدوية ولا البتول !
أنا مازلت تلك التي تتأرجح على ختم الذاكرة بالشمع الأحمر، انقض كمفترسة على حبال الذاكرة ومازلت انفض عن جمجمتي الداخلية رمل الصحارى دون أن أقص أصابع أجدادي التي وأدتني مرات ومرات.
في حلبة هذيان سهرة رأس السنة ألملم أوراق الأيام المتساقطة والهاربة منهم ، ألملم موتي المناكد كحمار عنيد !
أبكي واشهق على جرح الخاصرة لكنني أحبك رغم أنك مراوغ كجاسوس مزدوج يلتقط صور جرحاه خلسة ويكتب عنهم التقارير لبوليس الزمن.
يمسكني من يدي ويضع يده الأخرى على خاصرتي ليراقصني التانغو، ويلعب دور السائح الغريب فوق جرحي ويسألني بإصرار عنيد أيتها الحزينة أما زلت تحبينني؟
لا أدري ولكنني انصت لأنفاسك وأنا أبكي أبكي ...
ارتجف في عراء التاريخ برداً وعاراً أكثر مما ارتجف في عراء مخدعنا حبا.
أنادي أيها الصوت الذي يغلفنا أرجوك لا تتوقف عن الغناء...
ثم أضع يدي على صدري... هل أنا ما زلت حية ؟!!!
الاسمبريد إلكترونيرسالة